محمد بن جرير الطبري
78
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قلوب الرجال ، ولا يقوى عليها صبرهم . فقال الله تعالى له : انطلق ، فقد سلطتك على ولده ، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله فانقض عدو الله جوادا ، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم ، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده ، ثم جعل يناطح الجدر بعضها ببعض ، ويرميهم بالخشب والجندل ، حتى إذا مثل بهم كل مثلة ، رفع بهم القصر ، حتى إذا أقلة بهم فصاروا فيه منكسين ، انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة ، وهو جريج ، مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدة التغير والمثلة التي جاء متمثلا فيها . فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه ، وقال له : يا أيوب ، لو رأيت كيف أفلت من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا ، ولو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف مثل بهم وكيف قلبوا فكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم ، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم ، ولو رأيت كيف قذفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم ، وكيف دق الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم ، ولو رأيت العصب عريانا ، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف ، ولو رأيت الوجوه مشدوخة ، ولو رأيت الجدر تناطح عليهم ، ولو رأيت ما رأيت ، قطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه ، ولم يزل يرققه حتى رق أيوب فبكي ، وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه ، فاغتنم إبليس عند ذلك ، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به . ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر ، فاستغفر ، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه ، فبدروا إبليس إلى الله ، فوجدوه قد علم بالذي رفع إليه من توبة أيوب ، فوقف إبليس خازيا ذليلا ، فقال : يا إلهي ، إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك ، وليكفرن بك ، وليجحدنك نعمتك قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله . فانقض عدو الله جوادا ، فوجد أيوب ساجدا ، فعجل قبل أن يرفع رأسه ، فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده ، فترهل ، ونبتت ثآليل مثل أليات الغنم ، ووقعت فيه حكة لا يملكها ، فحك بأظفاره حتى سقطت